نحن الأغلبية العالمية؛ نقلة في المنظور

Read it in English

هل تم وصفكم يومًا بـ “الأقلية العرقية”؟ 

كإنسانة تعرّف على نفسها على أنها امرأة عربية، وُلدتُ في المملكة المتحدة، ونشأتُ في سوريا،  ودرستُ في فرنسا، وأعيش وأعمل الآن في المملكة المتحدة، فإن هذا المصطلح وجد طريقه إلى حياتي مراتٍ أكثر مما يمكنني أن أعد. ولكن ماذا لو قلت لكم أن هناك عبارة يمكن أن تعيد صياغة السردية؟ 

في المرة القادمة التي تصادفون فيها هذا المصطلح، جربوا أن تهمسوا لأنفسكم: “الأغلبية العالمية”. نعم، قرأتموها بشكلٍ صحيح – “الأغلبية العالمية”. دعوني آخذكم في رحلة لاستكشاف أهمية هذه العبارة ولماذا يجب علينا جميعًا أن نبدأ في تبنيها أكثر. في النهاية، اللغة تهم – إنها تشكّل تصوراتنا وتحدد العالم الذي نعيش فيه.

في عالم ٍأصبح متصلًا بشكل متزايد، تحمل اللغة التي نستخدمها لوصف أنفسنا والآخرين قوةً هائلة. كان وما زال مصطلح “الأقلية العرقية” يشكّل جزءًا من المناقشات حول التنوع، ولكن ربما حان الوقت لإعادة تصور وإعادة تأطير سردياتنا، و ها أنا أدعوكم في هذه التدوينة إلى النظر في بديلٍ أكثر إشراكًا وشمولًا: “الأغلبية العالمية”.

تفكيك تصنيف “الأقلية”:

عندما نصف الأفراد أو المجتمعات بأنهم “أقليات عرقية”، نواصل عن غير قصد ضخ الزخم في سرديةٍ مفادها أن هؤلاء هم ‘أقل من’ أو بمعنى آخر، هؤلاء هم الـ ‘آخر’. يمكن أن يكون ذلك ذا أهمية خاصة بالنسبة لنا نحن الذين نجسّد مجموعةً مختلطةً من التجارب الثقافية في هوياتنا التي نحملها ونعرّف أنفسنا بها. كامرأةٍ عربية، وُلدت في المملكة المتحدة ونشأت في سوريا ودرست في فرنسا وأعيش وأعمل الآن في المملكة المتحدة، فإن مصطلح “الأقلية العرقية” بالتأكيد لا يمثل لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ ثراء وتنوع هويتي.

تقديم مفهوم “الأغلبية العالمية”:

يتحدى مصطلح “الأغلبية العالمية” التصنيفات التقليدية ويعترف بواقع عالمٍ متنوعٍ حيث لا تحتلّ مجموعةٌ واحدةٌ هيمنةً عددية. من خلال الاعتراف بتعدد الهويات العالمية، نعتنق تمثيلًا أدقّ لإنسانيتنا المشتركة.

لماذا يجب علينا تبني “الأغلبية العالمية”؟

تحدي الهيمنة: أرى أن تبني مصطلح “الأغلبية العالمية” يمكنه أن يكون خطوةً حاسمةً لتحدي هيمنة المركزية الأوروبية والامتيازية البيضاء على اللغة عموماً و على التصنيفات خصوصاً،  والتي ينتشر استخدامها عالمياً سواءً في بيئات العمل أو المجتمع. إنّ مصطلح “الأقلية العرقية” متجذرٌ بعمقٍ في الديناميات التاريخية للقوى والتراث الاستعماري الذي قام بتهميش المجتمعات غير البيضاء. يؤدي هذا إلى استمرار سيطرة سرديةٍ غير متوازنة، حيث يتم اعتبار بعض الثقافات والآراء (الأوروبية والبيضاء تحديداً) هي المعيار الطبيعي، بينما يتم تهميش كل ما عداها. من خلال تبني مصطلح “الأغلبية العالمية”، نقاطع  السردية السائدة الحالية ونسلّط الضوء على غنى وتنوع أغلبية سكان العالم وتجاربهم.

دعوني أقدم لكم مثالًا: سواءً في وسائل الإعلام أو في الدوائر الأكاديمية، نلاحظ باستمرار أن ما يعتبر “معياراً” أو “مقياساً” يتسق غالبًا مع وجهات النظر الغربية ومع الرؤية المركزية الأوروبية لمختلف القضايا والمواضيع. يعزز استخدام مصطلح “الأقلية العرقية” هذا التحيز بشكلٍ أكبر، حاجباً وراءَ ظلاله مساهمات و سرديات الثقافات غير البيضاء في النتاج البشري سواءً منه المعرفي أو القيمي. و بهذا يتحول تبني مصطلح “الأغلبية العالمية” إلى تحدي لمعيارية المركزية الأوروبية، مما يخلق مساحةً للاعتراف بالقصص والتجارب المتنوعة للبشر من مختلف الثقافات والمجتمعات.

إليكم أيضاً مثالاً واضحاً آخر: تتناول سياسات الهجرة واللجوء في الوقت الحالي والنقاشات حولها غالبًا إطارًا يصف الأفراد غير البيض بأنهم “غريبون” – بمعنى الغرابة وليس بمعنى الغربة – والبعد عن المألوف والـ”عادي”، مشيرةً إلى وضعهم “الأقلّوي” وبالتالي مصنفةً إياهم بـ “الآخر”، مما يجعل من السهل على الناس رفضهم علنياً والرغبة في إرسالهم إلى أبعد مكانٍ ممكن. إذا كنتم ممن يتابعون النقاش القانوني الدائر مؤخراً في بريطانيا حول شرعية إرسال طالبي اللجوء إلى رواندا، فستعرفون بالتأكيد البيئة العدائية الإقصائية علنياً التي أقصدها. يساهم هذا التصنيف بالطبع في تغذية ممارسات التمييز والتحيّز ضد هؤلاء الموسومون بالـ”آخر”. 

من خلال تبني مصطلح “الأغلبية العالمية”، نعيد صياغة السّردية للاعتراف بالانتشار العالمي للاختلاف من جهة، و بأهمية الثقافات المتنوعة من جهةٍ أخرى، مقاومين التهميش الكامن في المصطلحات المتداولة حالياً مثل “الأقليات العرقية”.

تمثيل الواقع العالمي: نستطيع تشبيه العالم  ببساطٍ متنوع الألوان والنقوش والزخارف مكوّن من جميع الثقافات والأعراق والتاريخيات المختلفة.  و عليه فإن مصطلح “الأغلبية العالمية”  يلتقط الواقع، ويمثّله بشكلٍ أفضل، هذا الواقع الذي يفيد أنّه لا توجد مجموعةٌ واحدةٌ تُعتبر أقليةً على مستوى عالمي، لأنّ المجموع البشري هو ببساطة اجتماع كلّ هذه المجموعات المتنوعة، مع العلم أن القيمة الجوهرية لكلّ مجموعة هي حقٌ أصيلٌ و يجب أن تصونه اللغة دون أن تيسّر الهيمنة لمجموعة على أخرى، وبالتالي دون السماح لأيّة مجموعة بتهميش مجموعات أخرى.

استخدام اللغة للتمكين:  تعزز اللغة قدرتنا على تمكين الأفراد عن طريق الاعتراف بأهميتهم في السياق الأوسع للعالم. كما أنّ بإمكان اللغة أن تكون سلاحاً إقصائياً، فإنّ بإمكانها أن تشجع على الانتماء والفخر بتنوع الهويات الفردية  من خلال رؤيتها وتأطيرها بصفتها عناصر إثراءٍ للهويات الجمعية وليست عناصر تهديد .

دعم التضمين و الشمولية: يقدم تبني مصطلح “الأغلبية العالمية” فرصةً لتشجيع تضمين الأفراد ذوي و ذوات الهويات غير السائدة عن طريق تفكيك التقسيمات الاصطناعية التي تفرضها ديناميات القوة على المجتمعات. إنه يؤكد على تجاربنا المعاشة وتحدياتنا الحياتية المشتركة، معززًا بالتالي شعور الوحدة بين الأفراد والمجتمعات.

كيف يمكننا الانتقال إلى هذا التحول؟
إليكم عدة اقتراحات تساعدنا في بدء هذا التحول وحشد الزخم له حتى يتحول لتيار عالمي:

التثقيف و الترويج: ابدأوا بإجراء محادثاتٍ مع من حولكم حول اللغة والمصطلحات المتداولة، و سلّطوا الضوء على أثر الاستمرار باستخدام المصطلحات القديمة. شاركوا بالدعوة  لتبني مصطلح “الأغلبية العالمية” في الأوساط الشخصية والمهنية على حدٍّ سواء.

القيادة بالمثال: ادمجوا مصطلح “الأغلبية العالمية” في مفرداتكم الشخصية. سواءً في المحادثات العفوية أو في الاجتماعات الرسمية، كلّما تمّ استخدامه أكثر، كلما أصبح هو العادة السائدة.

تشجيع الحوار: أنشئوا مساحاتٍ للمناقشات المفتوحة حول قوة اللغة في تشكيل منظورنا عن أنفسنا و عن العالم من حولنا. حثّوا الآخرين على مشاركة أفكارهم وتجاربهم، كلّما عملنا بشكلٍ واعٍ أكثر على خلق مساحاتٍ آمنة حيث يمكننا مشاركة تجاربنا المعاشة، كلما ساهمنا ببناء مجتمعات تقبل التنوع وتحتفي به.

اللغة ليست مجرد أداة للتواصل. إنها تشكل تصوراتنا، وتؤثر في مواقفنا، وفي النهاية، تحدد واقعنا المشترك. عبارة “اللغة تهم” تلخص التأثير العميق الذي يمكن أن يكون للكلمات على الأفراد والمجتمعات. عندما نصنف أنفسنا أو الآخرين على أنهم “أقليات عرقية”، نواصل عن غير قصد تعزيز سردية مفادها أن هؤلاء هم ‘أقل من’ أو ببساطة هؤلاء هم الـ’آخر’. 

تعزز هذه اللغة وهذه الاختيارات للمصطلحات بشكلٍ خفيٍّ ديناميات السلطة الحالية ويمكن أن تسهم في الشعور بالاستبعاد والإقصاء. من خلال تبني مصطلح “الأغلبية العالمية”، ندرك أهمية اللغة في تعزيز التضمين والتمكين و نسعى باتجاه تمثيل أكثر دقة للعالم المتنوع الذي نعيش فيه. إنها دعوة للعمل، تحثّنا على أن نكون حذرين في الكلمات التي نستخدمها واختيار لغة توحّد وترفع وتعترف بغنى تجربتنا الإنسانية المشتركة.

اللغة هي قوة ديناميكية تشكل فهمنا للعالم. من خلال اختيار استخدام مصطلح “الأغلبية العالمية”، نسهم في بناء سرديةٍ أكثر دقّة وشمولًا وتمكينًا. دعونا نحتفل بالتنوع الذي يثري مجتمعنا العالمي ونتحرك بعيدًا عن التصنيفات القاصرة. في النهاية، لسنا أقلية – بل نحن الأغلبية العالمية.

لذلك، في المرة القادمة التي يحاول فيها شخصٌ ما تسميتك أو، ربما، تلتقط نفسك خلال استخدام مصطلح “الأقلية العرقية”، تذكروا قوة اللغة. اهمس/ي لنفسك، “الأغلبية العالمية”. والأفضل أن تقولوها بصوتٍ عالٍ. دعونا نعيد تشكيل السّردية العالمية بشكلٍ جماعي ونعترف بأننا لسنا أقلية؛ نحن، في الواقع، الأغلبية على هذا المسرح العالمي. اللغة تهم، ومن خلال تبني مصطلح “الأغلبية العالمية”، نساهم في صياغة رؤيةٍ أكثر شمولًا ودقة لتجربتنا الإنسانية المشتركة.

معًا، دعونا نخلق واقعًا جديدًا، يكون أكثر غنى وأكثر تلوناً و تنوعًا و شمولية.

هل ترغبون بأخذ الحوار إلى منظماتكم أو مجتمعاتكم المحلية؟ تواصلوا معي على الايميل التالي:
info@reemassil.com

One Comment Add yours

Tell me what you think, leave a Reply